Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / آراء / رسالة موجهة إلى وزير التربية الوطنية حول مشروع مدارس الريادة

رسالة موجهة إلى وزير التربية الوطنية حول مشروع مدارس الريادة

كيوسك أنفو 23 أكتوبر 2026 - 23:54 آراء

عبد الوهاب السحيمي

رسالة موجهة إلى السيد وزير التربية الوطنية حول مشروع مدارس الريادة:

السيد وزير التربية الوطنية المحترم،

في آخر خرجة إعلامية لكم، تحدثتم عن ضرورة تنزيل القانون الإطار 51.17، وعن تعميم مدارس الريادة وتطويرها، مشيرين إلى أن نسبة تغطيتها بلغت 80 في المائة.

وانطلاقا من هذه التصريحات، أود أن أتفاعل معكم، السيد الوزير، من منطلق الحرص على إصلاح المدرسة العمومية، وطرح بعض الأسئلة والملاحظات التي أعتقد أنها تستحق نقاشا جادا ومسؤولا.

أولا: بخصوص نسبة تغطية مدارس الريادة التي بلغت 80 في المائة

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تم احتساب هذه النسبة؟ وما مستوى التعلمات الذي حققته المؤسسات المعنية؟ وهل تعكس هذه النسبة تحسنا فعليا في جودة التعلمات، أم أنها تعبر فقط عن عدد المؤسسات التي انخرطت في التجربة؟
ثم، هل المتعلمون والأطر التربوية مقتنعون فعلا بهذه التجربة وبمقاربتها البيداغوجية، أم أن الأمر يتعلق بانخراط في مشروع لم تتح لهم فرصة الاختيار بشأنه؟

إن نجاح أي إصلاح تربوي لا ينبغي أن يقاس بنسبة التغطية أو بعدد المؤسسات المنخرطة فيه فقط، بل بما يحققه من نتائج ملموسة على مستوى التعلمات، وبمدى اقتناع الفاعلين التربويين بجدواه.

ثانيا: بخصوص العلاقة بين القانون الإطار 51.17 ومشروع مدارس الريادة

السيد الوزير، أود أن ألفت انتباهكم إلى مسألة أساسية، وهي ضرورة عدم الخلط بين تنزيل القانون الإطار 51.17 وتعميم مشروع مدارس الريادة، وكأن هذا الأخير يمثل الترجمة المباشرة لمقتضيات القانون الإطار.
أدعوكم إلى البحث عن مفهوم «مدارس الريادة» في نص القانون الإطار نفسه. فهذا القانون يتحدث عن إصلاح شامل للمنظومة التربوية، وعن إرساء مدرسة جديدة تقوم على تطوير الكفايات والمهارات، والاستجابة للتحولات التي يعرفها العالم، واعتماد مقاربات بيداغوجية تجعل المتعلم في صلب العملية التعليمية التعلمية.
كما أن الحكومة السابقة، التي أطلق في عهدها مشروع مدارس الريادة، لم تواصل تنزيل القانون الإطار بالروح نفسها التي تأسس عليها، بل شهدت تلك المرحلة تراجعا عن عدد من توجهاته واختياراته الإصلاحية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد ينسجم مشروع مدارس الريادة، بصيغته الحالية، مع فلسفة القانون الإطار وتوجهاته الاستراتيجية؟

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تعمل المدرسة الجديدة على تمكين المتعلمين من كفايات ومهارات تستجيب لمتطلبات العصر، يركز مشروع مدارس الريادة، في جانب مهم منه، على التعلمات الأساس، من خلال مقاربة تعليمية يغلب عليها التوجيه والتلقين والتدريب المكثف، بما قد يحد من أدوار المتعلم في المبادرة والاستكشاف وبناء التعلمات بصورة نشطة ومستقلة.

ولعل المثال الأوضح على ذلك هو قضية لغات تدريس المواد العلمية، وما ارتبط بها من نقاش حول التناوب اللغوي، وهي من القضايا التي أثارت جدلا واسعا أثناء إعداد القانون الإطار. غير أن مشروع مدارس الريادة لم يجعل من هذا الورش اللغوي جزءا مركزيا من مقاربته الإصلاحية، رغم أهمية اللغة في بناء التعلمات وتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص.

ثالثا: بخصوص تعميم مدارس الريادة وتطويرها

السيد الوزير، أتمنى منكم التريث وأخذ الوقت الكافي قبل اتخاذ أي قرار بشأن هذا الملف الشائك والمعقد. فإصلاح التعليم لا ينبغي أن يخضع لمنطق السرعة في التعميم، بل لمنطق التقييم الموضوعي والتصحيح المستمر.
كما أتمنى أن تبادروا إلى إجراء تقييم شامل ومستقل للتجربة، وأن تفتحوا نقاشا وطنيا واسعا حولها، مع الإنصات إلى الأساتذة والمفتشين والمديرين والباحثين التربويين وأولياء الأمور، فضلا عن المتعلمين أنفسهم.

إن تعميم مدارس الريادة بصيغتها الحالية يطرح تحديات كبيرة، سواء على مستوى المجهود الإضافي الذي يطلب من الأساتذة بذله، أو على مستوى الإمكانات المالية واللوجستيكية التي يتطلبها المشروع. فالتنزيل الفعلي لهذه التجربة يستلزم توفير الوسائل والموارد والأدوات الضرورية داخل المؤسسات التعليمية، وهي متطلبات لا يمكن الاستغناء عنها أو تعويضها بمجرد إصدار التوجيهات والمذكرات.

ولا يمكن الحديث عن تعميم ناجح دون ضمان تكافؤ الإمكانات بين المؤسسات، وتوفير الشروط المادية والبيداغوجية اللازمة لإنجاح التجربة، حتى لا يتحول الإصلاح إلى عبء إضافي على الأستاذ، أو إلى مجرد إجراءات شكلية لا تنعكس بالقدر المطلوب على تعلمات التلاميذ.

هذا فضلا عن الإشكالات المرتبطة بالمناهج والكتب المدرسية، وما يشوب تنزيل المشروع من ارتباك في هذا الجانب، وهي قضايا تستدعي المعالجة قبل التفكير في توسيع نطاق التجربة.

السيد الوزير، إننا في حاجة إلى إصلاح تربوي متكامل، يستند إلى تقييم علمي وموضوعي، وينطلق من حاجات المتعلم، ويضع الأستاذ في قلب الإصلاح، ويحترم الاختيارات الاستراتيجية للقانون الإطار 51.17.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن التجربة، بل إخضاعها لتقييم جاد. فالغاية ليست تعميم مدارس الريادة في حد ذاتها، بل بناء مدرسة عمومية ذات جودة، قادرة على إنصاف المتعلمين وتمكينهم من كفايات العصر، وضمان حقهم في تعليم جيد ومنصف.

شاركها LinkedIn