Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / افتتاحية / اليسار في ورطة.. الأحرار والبام يخطفان قاموسه الاجتماعي

اليسار في ورطة.. الأحرار والبام يخطفان قاموسه الاجتماعي

كيوسك أنفو 19 سبتمبر 2026 - 17:29 افتتاحية

لعقود طويلة، كانت مفردات من قبيل العدالة الاجتماعية، والكرامة، والمساواة، والقدرة الشرائية، والدولة الاجتماعية، وحماية الطبقات الهشة، والتعليم والصحة العموميين، جزءا شبه حصري من المعجم السياسي لليسار المغربي.

 

وكانت أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية تبني هويتها السياسية والايديولوجية على الدفاع عن هذه القضايا وربطها بمفهوم العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة وتقوية دور الدولة.

 

لكن المشهد تغير.

 

ففي السنوات الأخيرة، دخلت هذه المفردات بقوة إلى خطاب أحزاب كانت تتموقع خارج اليسار التقليدي، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. حيث لم يعد الحديث عن الدولة الاجتماعية أو القدرة الشرائية أو الحماية الاجتماعية أو الشغل اللائق حكرا على الأحزاب الاشتراكية واليسارية، بل أصبح جزءا من الخطاب الانتخابي لأحزاب تقبل صراحة باقتصاد السوق والمبادرة الخاصة والاستثمار.

 

وهنا يمكن الحديث، سياسيا وخطابيا، عن نوع من “قرصنة خطاب اليسار”.

 

فالتجمع الوطني للأحرار يقدم نفسه اليوم باعتباره حزبا ذا مرجعية في الديمقراطية الاجتماعية، ويربط برنامجه الانتخابي لسنة 2026 بشعار “كرامة وفرص للجميع”، واضعا الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية ضمن القضايا المركزية لبناء ما يسميه “الدولة الاجتماعية”.

 

أما الأصالة والمعاصرة، فقد جعل من الديمقراطية الاجتماعية جزءا صريحا من مرجعيته، ويقول في وثيقته التعريفية إن اختياره السياسي يقوم على الجمع بين الحرية الفردية والمبادرة الاقتصادية من جهة، والعدالة الاجتماعية والتضامن والدولة الاجتماعية من جهة أخرى، داخل اقتصاد السوق.

 

والأكثر دلالة أن البرنامج الانتخابي للبام في انتخابات 2026 وضع القدرة الشرائية والأسعار والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي في مقدمة أولوياته، إلى جانب إدماج الشباب والتعليم والتكوين والشغل اللائق والسكن.

 

وهذه ليست مجرد مصادفة لغوية.

 

فاليسار المغربي نفسه كان قد جعل من هذه القضايا جوهر هويته. الاتحاد الاشتراكي، مثلا، يربط منذ سنوات بين الاشتراكية الديمقراطية والدولة الاجتماعية، ويعتبر أن وظيفة هذه الدولة تتمثل في الحد من اختلالات اقتصاد السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للموارد. كما يقدم حزب التقدم والاشتراكية نفسه باعتباره امتدادا للحركة الاشتراكية المغربية، ويضع العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة والمساواة في صلب مشروعه السياسي.

 

المفارقة إذن أن الخطاب الذي كان يمنح اليسار هويته أصبح اليوم جزءا من قاموس خصومه السياسيين.

 

لكن “القرصنة” هنا لا تعني أن الأحرار والبام أصبحا حزبين يساريين. الفارق ما يزال جوهريا في المرجعية الاقتصادية والسياسية. فالبام، مثلا، يجمع في تعريفه الرسمي بين العدالة الاجتماعية و”اقتصاد السوق المبدع”، بينما يركز الأحرار على المبادرة والفرص والاستثمار إلى جانب الدولة الاجتماعية.

 

المسألة، إذن، ليست انتقال الأحرار والبام إلى اليسار بقدر ما هي انتقال جزء من قاموس اليسار إليهما.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

 

فاليسار الذي ناضل لعقود من أجل الدولة الاجتماعية وجد نفسه أمام أحزاب في الحكومة تتحدث عن الدولة الاجتماعية نفسها. واليسار الذي جعل القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والشغل والحماية الاجتماعية عناوين لمعركته، أصبح ينافس أحزابا أخرى تستعمل المفردات ذاتها وتقدم نفسها باعتبارها قادرة على تحويلها إلى سياسات عمومية.

 

بل إن برنامج البام الانتخابي لسنة 2026 يذهب إلى تقديم نفسه باعتباره مشروعا لتغيير المسار، واضعا القدرة الشرائية وإدماج الشباب والخدمات العمومية والشغل اللائق ضمن أولوياته.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجا من مجرد اتهام حزب بـ”سرقة” خطاب حزب آخر:

 

إذا أصبحت أحزاب الوسط تتحدث بلغة العدالة الاجتماعية، فما الذي بقي لليسار ليقوله ولا يستطيع الآخرون قوله؟

 

ربما تكون المشكلة الحقيقية ليست أن الأحرار والبام “قرصنا” خطاب اليسار، وإنما أن اليسار سمح بتحويل العديد من مطالبه التاريخية من هوية إيديولوجية إلى سياسات وبرامج قابلة للاستعمال من طرف الجميع.

 

فحين تصبح “الدولة الاجتماعية” عنوانا مشتركا، و”القدرة الشرائية” مطلبا انتخابيا عاما، و”الكرامة” شعارا عابرا للانتماءات الحزبية، لم يعد امتلاك المفردة كافيا. يصبح التحدي هو: من يملك تصورا مختلفا للدولة الاجتماعية؟ ومن يملك نموذجا اقتصاديا مختلفا لتحقيق العدالة؟ ومن يستطيع أن يشرح للناخب الفرق بين الدولة الاجتماعية كما يتصورها اليسار، والدولة الاجتماعية كما تقدمها أحزاب الوسط؟

 

وهنا تحديدا تبدو قرصنة الخطاب أخطر من قرصنة الشعارات.

 

لأن الشعار يمكن استبداله، أما حين تنتقل المفاهيم المؤسسة لهوية سياسية كاملة من ضفة إلى أخرى، فإن الحدود التقليدية بين اليسار والوسط تبدأ في التآكل.

 

وقد يكون هذا أحد أبرز التحولات التي عرفها المشهد الحزبي المغربي: لم يعد السؤال فقط من يوجد في اليسار ومن يوجد في الوسط، بل من يملك حق تعريف العدالة الاجتماعية ومن يملك القدرة على إقناع الناخب بأن خطابه هو الأكثر صدقية في ترجمتها إلى واقع.

شاركها LinkedIn