لم تكن المشاهد القادمة من الفاصل الحدودي لمدينة سبتة – حيث تدافق مئات الشباب والأطفال في محاولات اقتحام وجريئة للعبور نحو الضفة الأوروبية – مجرد خبر خارجي عادي في النشرات الإخبارية التونسية. بل سرعان ما تحوّلت الواقعة إلى حدث يتصدّر النقاش العام، متجاوزاً حدود جغرافية المغرب الأقصى ليمسّ وصيد الأزمة الاجتماعية والسياسية التي تعيش على إيقاعها المنطقة المغاربية برُمّتها.
بين التحليل الجيوسياسي للإعلام، والقلق الحقوقي للمجتمع المدني، والتضامن الإنساني الممزوج بالمرارة في الشارع التونسي؛ تباينت القراءات لكنها التقت حول نقطة واحدة: “المأساة مشتركة، والملف أعقد من مجرد أزمة حدود”.
البعد التاريخي وملف السيادة: ثغران محتلان في عمق شمال إفريقيا
لم تغفل تحليلات عديدة في الساحة التونسية الخصوصية التاريخية والسياسية المعقدة لمدينتي سبتة ومليلية. فقد أعادت هذه الأحداث فتح النقاش الفكري والسياسي حول وضعيتهما الاستثنائية كآخر الثغور والمستعمرات الأوروبية داخل القارة الإفريقية.
ويرى متابعون ونخب فكرية في تونس أن أحداث الحدود لا يمكن فصلها عن ملف السيادة والمطالب التاريخية للمملكة المغربية لاسترجاع المدينتين السليبتين، معتبرين أن استمرار الوضع الاستعماري الحركي يضع المنطقة برُمّتها في حالة توتر دائم، ويجعل من هذين الثغرين نقطة تماس ساخنة بين شمال إفريقيا والاتحاد الأوروبي.
الإعلام التونسي: بين دلالات الجغرافيا وضغوط “شنغن”
تناولت وسائل الإعلام التونسية، بين صحافة مكتوبة ومنصات رقمية وبرامج حوارية، الأحداث بقدر عالٍ من التركيز على الأبعاد الجيوسياسية. وركّزت التحليلات على طبيعة الضغوط التي تُلقيها هذه الموجات المفاجئة على العلاقات المغربية-الإسبانية، وعلى حدود منطقة “شنغن” بشكل عام.
ولم تغفل التغطيات الإعلامية البعد الإنساني المؤلم، حيث تصدّرت الأخبار المتعلقة بحالات الغرق وحصيلة الضحايا والمفقودين العناوين الرئيسية، في محاولة لتسليط الضوء على الكلفة البشرية الباهظة التي يدفعها أبناء المنطقة.
المجتمع المدني: نقد لسياسات “الحدود المغلقة”
على صعيد النخب والحقوقيين، أثارت المشاهد القادمة من سبتة موجة من البيانات والتصريحات التي انصبت في خانة نقد المنظومة الأورومتوسطية لإدارة ملف الهجرة. وتوقفت منظمات تُعنى بقضايا الهجرة واللجوء عند الظاهرة، واصفة ما حدث بأنه “نتيجة طبيعية لانسداد الآفاق الاقتصادية وتضييق الخناق على منافذ التنقل النظامي”.
كما حذّر خبراء اجتماع ونشطاء تونسيون من خطورة نمط جديد بات يتعاظم في المنطقة، والمتمثل في “الدعوات الرقمية والتعبئة الجماعية” عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة عابرة للحدود أصبحت تُحرّك فئات هشة من الشباب والقاصرين نحو مصير مجهول.
الشارع التونسي: مرارة التماهي مع “الحرقة”
في المقاهي ومساحات التواصل الاجتماعي التونسية، لم يكن الصدى غريباً؛ فالشارع التونسي يرى في محاولات التسلل نحو سبتة مرآةً تعكس معاناته الخاصة مع قوارب “الحرقة” التي تنطلق بشكل شبه يومي من شواطئ الساحل وصفاقس نحو الأراضي الإيطالية.
”الوجع واحد والتحديات متشابهة”.. بهذه العبارة يلخص متابعون حالة التعاطف الشعبي الواسعة، حيث نظر الكثيرون إلى المشاهد بقدر كبير من الأسى، مستحضرين أن دوافع الشباب المغربي لا تختلف كثيراً عن دوافع نظرائهم في تونس والمنطقة.
و في خلاصة المشهد تثبت أصداء واقعة سبتة في تونس أن ملف الهجرة غير النظامية في حوض البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد ملف أمني طارئ، بل هو حقيقة إقليمية مؤرقة ترتبط بملفات السيادة والتاريخ والتنمية. وبينما تستمر المحاولات وتتضاعف الحراسة على الحدود، يظل السؤال المطروح: إلى متى ستبقى معالجة هذا الملف مرتهنة للمقاربات الأمنية والحدودية فقط على حساب الحلول التنموية والتاريخية الشاملة؟