تتجدد مع كل أزمة هجرة تعرفها سبتة و مليلية الأسئلة حول مستقبل المدينتين المحتلتين. فكل موجة عبور جماعية تكشف أن الوضع القائم لا يقتصر على كونه قضية أمنية أو إنسانية، بل يعكس إشكالية سياسية وجغرافية تجعل من المدينتين بؤرتين دائمتين للتوتر بين الضفتين الغربيتين للبحر الابيض المتوسط.
فكلما شهدت مدينة سبتة المحتلة موجة جديدة من محاولات الهجرة، إلا ويتكرر المشهد نفسه: استنفار أمني، تشديد للرقابة، ثم عودة شبع الأزمة بعد أشهر أو سنوات.
هذه الدائة المغلقة تؤكد أن المشكلة لا تكمن في ضعف الأسوار أو قلة الدوريات، بل في استمرار وضع سياسي شاذ يتمثل في بقاء مدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية، رغم انتهاء حقبة الاستعمار في معظم أنحاء العالم.
فمدينتي سبتة ومليلية لا تمثلان نقطتين حدوديتين، كما تدعي الجارة الشمالية، بل جزءا من التراب الوطني للمملكة المغربية لم يكتمل استرجاعه بعد.
وكما نجح المغرب عبر عقود في استعادة عدد من أقاليمه بالوسائل السلمية والتفاوضية، فإنه ما فتئ يؤكد أيضا أن ملف المدينتين ينبغي أن يطروح بدوره في إطار استكمال الوحدة الترابية، بعيدا عن منطق فرض الأمر الواقع أو تجاهل جذور النزاع.
لقد أثبتت الأحداث الجارية حاليا بالشمال المغربي أن وجود جيب أوروبي داخل التراب المغربي يخلق اختلالات اقتصادية واجتماعية وأمنية مستمرة.
فالمدينتان المحتلتان أصبحتا نقطة جذب للهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر والتهريب، كما تحولتا إلى مصدر توتر دائم في العلاقات المغربية الإسبانية. وكلما اندلعت أزمة، عاد الجميع إلى مناقشة النتائج، بينما يتم تجاهل السبب الحقيقي الذي يغذي هذه الأزمات.
إن الحل المستدام لا يكمن في رفع الأسوار أو زيادة أعداد قوات الأمن أو تشديد المراقبة البحرية، وإنما في معالجة أصل المشكلة. فإعادة سبتة ومليلية إلى السيادة المغربية من شأنه إنهاء وضع استعماري استثنائي، وفتح صفحة جديدة من التعاون بين الرباط ومدريد تقوم على حسن الجوار والمصالح المشتركة، بدل إدارة الأزمات المتكررة.
كما أن استرجاع المدينتين لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خسارة لإسبانيا، بل فرصة لبناء نموذج جديد من الشراكة بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية واقتصادية وإنسانية عميقة.
لقد أثبت التاريخ مرارا أن مساره لا يتوقف عند حدود الأمر الواقع، وتجارب العالم تؤكد أن القضايا الاستعمارية قد تستغرق زمنا طويلا قبل أن تجد طريقها إلى التسوية. ومن هذا المنطلق، يظل الموقف المغربي ثابتا في اعتبار سبتة ومليلية جزءا لا يتجزأ من وحدته الترابية، وأن استكمال السيادة عليهما يظل هو السبيل الأنجع لإنهاء بؤرة توتر مزمنة وتحقيق استقرار دائم يخدم مصالح شعوب المنطقة بأسرها.