هناك فنانون يعزفون على آلة،
وهناك فنانون تتحول الآلة بين أيديهم إلى كائن حي.
وقد كان محمد رويشة من الصنف الثاني.
لم يكن اللوتار عنده خشبا وأوتارا، بل امتدادا للجسد، وصوتا آخر للقلب، ولسانا تعجز اللغة أحيانا عن مجاراته.
كان يغني كما لو أنه لا يريد إقناع أحد، بل يريد فقط أن يبوح، ولهذا بقي صادقا.
لأن الفن الذي لا يسعى إلى إثارة الإعجاب، بل إلى قول الحقيقة، ينجو من الزمن.
لهذا ستستمر معنا موسيقاه،
لأنها لم تكن ابنة الموضة،
بل ابنة الشعور.
في عالم يميل إلى الضجيج اختار رويشة الهمس.
كان يعرف أن النغمة التي تخرج من عمق الروح لا تحتاج إلى أن تكون عالية كي تُسمع، وأن الحزن لا يقاس بحدة الصوت، بل بعمق الصمت الذي يتركه بعد انتهاء الأغنية.
لم يكن يعزف لوتار، بل كان يصغي إليه،
كما لو أن الأوتار تعرف الطريق إلى أصابعه قبل أن يلمسها.
لذلك تبدو ألحانه مألوفة حتى لمن يسمعها لأول مرة؛ لأنها لا تخاطب الذاكرة، بل شيئا أقدم من الذاكرة… ذلك الجزء الغامض من الإنسان الذي يتعرف إلى الجمال دون أن يفسره.
الفن عند محمد رويشة لم يكن هروبا من الواقع، بل طريقة أخرى لفهمه.
كان يحول الألم إلى لحن، والحنين إلى إيقاع، والوحدة إلى أغنية يتقاسمها الجميع.
لذلك لم يكن يغني عن الإنسان، بل كان يغني الإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب لا يرحل الفنانون الحقيقيون. إنهم يختفون كأشخاص، لكنهم يبقون كطريقة في الإصغاء إلى العالم.
ومحمد رويشة لم يترك أغاني فحسب، بل ترك أذنا جديدة نتعلم بها كيف نصغي إلى الحزن، وإلى الفرح، وإلى الصمت الذي يسكن بين نغمتين.