ليس البحر الذي يفصل المغرب عن الشمال مجرد مساحة من الماء، بل هو مسافة رمزية بين عالمين: عالم يعد بالحياة، وآخر يطالب أبناءه بالصبر.
لذلك، كلما اهتزّ السياج الفاصل عند سبتة المحتلة، لا تهتز الحدود وحدها، بل تهتز الأسئلة التي تراكمت في وجدان جيل كامل.
في الأساطير الإغريقية، ظل أوديسيوس يبحث عن طريق العودة إلى وطنه بعد حرب طروادة، وكانت رحلته اختبارا للذاكرة والانتماء والإرادة. أما أوديسا الشباب المغربي، فهي على النقيض تمامًا؛ ليست رحلة عودة، بل رحلة مغادرة. بطلها لا يبحث عن جزيرة يعود إليها، بل عن ضفة يعتقد أنها قادرة على أن تمنحه ما عجزت عنه أرضه: الاعتراف، والكرامة، وإمكانية الحلم.
إن الشمال في المخيلة الجماعية لم يعد مجرد اتجاه جغرافي، بل أصبح استعارة للخلاص. إنه فكرة قبل أن يكون مكانا، ووعدٌ قبل أن يكون واقعا.
لذلك، فإن آلاف الشباب الذين يقفون أمام البحر لا يواجهون الأمواج وحدها، بل يواجهون صورة ذهنية صنعها الإعلام، والاقتصاد، والتاريخ الطويل من الفوارق بين ضفتي المتوسط.
والمفارقة أن المتوسط، الذي كان في زمنٍ مضى جسرا للحضارات، تحول إلى خطٍ يفصل بين امتياز الميلاد وعبء الميلاد. فالمكان الذي يولد فيه الإنسان أصبح، في كثير من الأحيان، يحدد سقف أحلامه قبل أن يحدد قدراته. وهكذا، يجد الشاب نفسه محكوما بأقدار جغرافيا لم يخترها، فيلجأ إلى أن بحاول إعادة كتابة مصيره بعبور بضعة كيلومترات من الماء.
سياسيا، لا يمكن اختزال أحداث سبتة المحتلة في بعدها الأمني وحده. فالحدود ليست مجرد أسلاك وحواجز ودوريات؛ إنها أيضا نتيجة اختلالات اقتصادية واجتماعية، ومرآة لعلاقة معقدة بين الجنوب والشمال. فإذا كان كل تشديد للحراسة يعالج العرض، فإنه لا يلامس السبب. كما أن كل نجاح في منع العبور يظل نجاحا مؤقتا إذا بقيت دوافع الرحيل أقوى من الخوف.
لكن الخطأ الأكبر هو اختزال الشباب في صورة “المهاجر”. فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير الهجرة، ولا مجرد أجساد تركض نحو سياج. إنهم جيل يحمل أسئلة ثقيلة: لماذا تبدو الفرص في مكان آخر أكثر عدلا؟ ولماذا يشعر كثيرون بأن المستقبل يبدأ خارج حدود الوطن؟
ومع ذلك، فإن الشمال نفسه ليس الفردوس الذي ترسمه المخيلة. فكثير من الذين يعبرون يكتشفون أن الرحلة لا تنتهي عند الوصول، بل تبدأ هناك بصراع جديد مع اللغة، والهوية، والعزلة، والعمل الشاق. فيتحول الحلم إلى تفاوض يومي مع الواقع، ويصبح الانتماء معلقا بين وطن غادره، وآخر لم يستقبله بالكامل.
إن المأساة الحقيقية ليست في البحر، بل في أن يصبح البحر هو المشروع الوحيد. حين يفقد المجتمع قدرته على إقناع شبابه بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن، تتحول الهجرة من خيار فردي إلى لغة جماعية، ومن استثناء إلى ثقافة.
ولعل أكثر ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدا من الأسوار، بل مزيدا من الجسور؛ جسور العدالة، والتعليم، والاقتصاد المنتج، والكرامة. فالأوطان لا تقاس بعدد من بقوا فيها، بل بعدد الذين لم يشعروا يوما بأن عليهم مغادرتها ليبدأوا حياتهم.
ستظل الضفة الشمالية، بكل ما تحمله من رمزية، تذكيرا بأن الحدود لا تفصل بين دولتين فقط، بل بين تصورين للعالم: عالم يرى الإنسان خطرا يجب منعه، وعالم يرى فيه طاقة ينبغي احتضانها. وبين هذين التصورين، يواصل الشباب المغربي كتابة أوديساه الخاصة؛ رحلة لا تبحث عن أسطورة، بل عن مكان يستطيع فيه الإنسان أن يحلم دون أن يضطر إلى تحدي البحر.